بين ضياء رشوان ومعهد التحرير بواشنطن

في حقبة التسعينات من القرن المنصرم برز ضياء رشوان كخبير ومحلل في شؤون الحركات الإسلامية، وبالأخص مع إشرافه على إصدار تقرير صدر عن مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية تناول الحركات الإسلامية في أنحاء العالم.

وعقب أحداث 11 سبتمبر 2001، صار رشوان ضيفا شبه دائم على الفضائيات لتحليل خطابات قادة بعض التنظيمات الإسلامية المسلحة، وتميز أداء رشوان إعلاميا بالانسيابية في الإلقاء، وحضور المعلومات، والتحليل شبه الموضوعي للمواضيع محل الحديث، لكن ظلت هناك مساحات غير مغطاة في تحليله تنبع من علاقته بنظام مبارك المستبد.

تبين أن ضياء رشوان ليس ملما بما يتحدث فيه بالشكل المتخيل، إنما يستغل الهالة حوله ليقول أحيانا كلاما منمقا وقوالب ثابتة بشكل يوحي بالثقة والاطلاع والرسوخ العلمي.

وفي إحدى اللقاءات، حدثت مفارقة لطيفة، إذ أذاعت قناة الجزيرة تسجيلا لمؤسس تنظيم القاعدة وزعيمها الراحل أسامة بن لادن تحدث فيه عن استغلال القوى الكبرى لموارد الدول الضعيفة، ونهبها لثرواتها، وعندما شاهدت الخطاب استغربت قليلا لأن هذا التسجيل أذيع قبل ذلك بشهور عديدة. أما المفارقة فحدثت عندما استضافت قناة الجزيرة ضياء رشوان لتحليل التسجيل المذكور، فقال أن التسجيل يتضمن تغيرا استراتيجيا في خطاب القاعدة، حيث تناول قضايا اقتصادية لأول مرة، وبنى مداخلته بالكامل حول هذا المحور. ثم في ذات اليوم أذاعت قناة الجزيرة اعتذارا عن التسجيل الذي نشرته حيث تبين لها أنه تسجيل قديم سبق أن أذاعته قبلها بشهور، لكن أحد المواقع الإلكترونية المختصة بمكافحة الإرهاب أعاد رفعه، فتوهمت القناة أنه إصدار جديد.

وبذلك تبين أن ضياء رشوان ليس ملما بما يتحدث فيه بالشكل المتخيل، إنما يستغل الهالة حوله ليقول أحيانا كلاما منمقا وقوالب ثابتة بشكل يوحي بالثقة والاطلاع والرسوخ العلمي. وعموما، فبعد ذلك تراجع حضور رشوان في هذا المجال، لينشغل بأمور أخرى وصولا لتوليه رئاسة هيئة الاستعلامات ومنصب نقيب الصحفيين.

بزوغ معهد التحرير بواشنطن

مع تزايد المواجهات بين نظام السيسي وبعض التنظيمات المسلحة التي برزت بعد الانقلاب وبالأخص في شبه جزيرة سيناء، تصاعد اهتمام المراكز البحثية الغربية بالشأن الأمني المصري، ومن بين أبرز تلك المراكز معهد التحرير لسياسة الشرق الأوسط، ومقره الولايات المتحدة الأميركية. فقد أعلن المعهد منذ مارس 2014 تخصيصه منصة لمراقبة المشهد الأمني في مصر بغرض الإجابة عن تساؤلات من قبيل: ما مدى خطورة مشكلة العنف في مصر؟ ومن هم الفاعلون الذين ينفذون تلك الهجمات؟ وهل كانت جهود الدولة كافية ومناسبة للتخفيف من العنف؟ وما هي الآفاق طويلة المدى لترسيخ الأمن في مصر؟.

وكذلك أصدر المعهد تقارير دورية شهرية عن الحالة الأمنية في مصر، ثم مع تراجع حدة المواجهات صارت تقاريره فصلية كل ثلاثة أشهر. ثم عاد في 2018 ليصدر تقارير أسبوعية عن الحالة الأمنية في مصر قبل أن يتوقف عن إصدار تلك التقارير قبل شهور معدودة، ثم أعلنت مؤخرا أليسون مكمانيوس مديرة الأبحاث بالمعهد مغادرتها لعملها وبحثها عن عمل جديد.

دراسة (خمس سنوات من حرب مصر على الإرهاب)

بعيدا عن الارتجال الذي صبغ تحليلات العديد من محللي جيل ضياء رشوان، فقد حرص معهد التحرير على توضيح منهجيته في تدوين دراساته حيث قال أنه (بدأ في جمع البيانات المستقلة عن العنف في مصر منذ مارس 2014، بينما وثق أي أحداث جرت قبل هذا الوقت على أساس البيانات المقدمة من موقع الصراع المسلح وقاعدة بيانات الحدث (ACLED).

وشدد المعهد حسب نص تعبيراته على أنه (يشارك في المراقبة اليومية لوسائل الإعلام لتحديث قاعدة البيانات الخاصة به مع توالي التطورات، ويتابع جميع التقارير الإخبارية باللغة الإنجليزية والعربية عن العنف في مصر، والتي ترد في وسائل الإعلام الحكومية، والخاصة، ووسائل التواصل الاجتماعي. وفي بعض الأحيان، يعتمد على البيانات، والمواد الإعلامية المنشورة على حسابات الفاعلين الإرهابيين أنفسهم. ويجري الوصول إلى هذه البيانات من خلال مراقبة المنتديات الجهادية على شبكة الإنترنت، وصفحات وسائل التواصل الاجتماعي الخاصة بالجماعات الإرهابية. وبالإضافة إلى ذلك، يراقب معهد التحرير لسياسة الشرق الأوسط بشكل مستقل جميع البيانات الصادرة عن وزارة الداخلية المصرية وحسابات وسائل التواصل الاجتماعي الخاصة بالمتحدث الرسمي للجيش المصري).

وفي يوليو 2018 أصدر المعهد تقريرا مطولا عن الحالة الأمنية بمصر تحت عنوان (خمس سنوات من حرب مصر على الإرهاب). ورغم الجهود الكبيرة المبذولة في تلك الدراسة، فعندما طالعتها وقفت على بعض الأخطاء البارزة، سواء من حيث دقة نسبة بعض الأحداث لمنفذيها أو ضبط أسماء الأماكن وتفاصيل الأحداث. ومن بين تلك الأخطاء على سبيل المثال لا الحصر:

الأول: القول بأن محاولة اغتيال وزير الداخلية السابق محمد إبراهيم في سبتمبر 2013 لم يتبناها أحد بشكل رسمي، بينما سبق أن تبنت جماعة أنصار بيت المقدس تنفيذ الحادث في بيان مكتوب، وإصدار مرئي ظهر فيه منفذ الحادث.

الثاني: القول بأن جماعة أنصار بيت المقدس تشكلت في أعقاب ثورة يناير 2011، بينما أعلنت الجماعة في إصدار مرئي نشرته في يوليو 2014 بعنوان ملحمة الفرقان، أنها سعت لتنفيذ أولى عملياتها ضد الجيش الإسرائيلي عام 2010، ولكن حالت الأوضاع الأمنية دون نجاحها في ذلك.

الثالث: القول بأن حادث (الفرافرة 2) استهدف وحدة لقوات حرس الحدود أثناء تناولهم إفطار رمضان بينما حدث الهجوم الساعة الواحدة ظهرا، حسب شهادة المجند محمد عبدالمنعم حسن ضمن أدلة الثبوت في القضية 1/2014 ج- نيابة شمال القاهرة العسكرية.

الرابع: وصف تنظيم أجناد مصر بأنه مرتبط بالقاعدة، بينما سبق أن قال زعيم التنظيم همام عطية أن (التنظيم مستقل تماماً ولا يتبع أي كيان في الداخل أو الخارج)، وذلك في إصدار نشره التنظيم بتاريخ 11يناير 2015 بعنوان (الحوار المفتوح مع المسؤول العام لأجناد مصر).

الخامس: القول بأن تنظيم أجناد مصر أعلن مسؤوليتها عن 29 حادثا في محافظتي القاهرة والجيزة، وكان آخرها هجوم بعبوة ناسفة أمام محكمة بمصر الجديدة أسفر عن إصابة ضابطي شرطة، بينما التنظيم نفذ 47 حادثا، كما قُتل في الحادث المذكور عقيد الشرطة هشام العزب، ولم يُصب فقط.

السادس: القول بأن لواء الشرطة طارق المرجاوي شغل منصب مدير المباحث الجنائية في محافظة الجيزة، بينما كان يشغل عند مقتله منصب مساعد رئيس مباحث غرب الجيزة.

السابع: الحديث عن استهداف مديرية أمن شبرا الخيمة، بينما لا يوجد مقر أمني يدعى مديرية أمن شبرا الخيمة، فالهجوم الذي وقع في شبرا الخيمة استهدف مقر قطاع الأمن الوطني عام 2015.

الأمثلة السابقة مجرد نماذج لأخطاء جوهرية وقع فيها معهد التحرير بواشنطن في دراسته المذكورة، وهو ما يلفت النظر إلى أهمية وضرورة عدم تلقي الدراسات الصادرة عن مراكز الأبحاث أو تحليلات الخبراء بالتسليم والإقرار، بل لابد من التدقيق فيها، للوصول إلى الحقائق، وفهم الواقع فهما دقيقا.

 

مصدر المقال: موقع البوصلة

التعليقات