أين الخلل في أسئلة المحنة والفتنة؟

ما أسئلة المحنة والفتنة؟

داخل كل نفسٍ بشرية تتداخل الأفكارُ والمشاعر دائمًا، وتؤثِّر كلٌّ منهما على الأخرى في تبادليةٍ متنوعة الأشكال ومتنوعة الأحوال، لكنها في النهاية تترك منتجها بالإيجاب أو بالسلب على كلِّ إنسان في كل لحظةٍ من لحظات حياته على الأرض.

ومن هنا كانت للمحنة آثارها؛ لأنّها تضغط على نقاط الضعف الإنساني، فتكون للمحنة فتنتها، ثم إنّ للمحَن أنواعها ودرجاتها، وللفتنة أنواعها ودرجاتها فيثمران أسئلةً ذات سمتٍ خاص تتعلق بالله وبعلاقته بالإنسان من خلال القدر والشرع والجزاء حول العدل والحكمة والرحمة ونحوها، وهذه هي أسئلة المحنة والفتنة الثائرة في محنتنا وفتنتنا المعاصرة، والتي نستهدف معالجتها في هذه الورقات.

كيف نعرف الله؟

ليكن هذا هو مدخلنا، فإنّ هذه القضية هي البداية الصحيحة هنا، إنّ الله قد عرّفنا بنفسهِ سبحانه من خلال آياته الشرعية في الوحي، وآياته الكونية في الأنفس والآفاق، ومن خلال ما ركز فينا من الفطرة التي تميّز الحق وتشتاق إليه وتستجيب له، والعقل يربط بين كلٍّ من الفطرة ونوعي الآيات بالتفكّر والتدبّر والتذكّر؛ فتتصل الروح بخالقها أعظم اتصال، ويحقق الإنسان غاية وجوده بالعبودية لمولاه -عزَّ وجَل-، وهذا الإجمال المركّز تبيِّن الأفكار التالية أصولًا من تفاصيله –بإذن الله-.

من الجزئيات إلى الكليات

إنَّ من أهم خواص العقل الإنساني التجريد والتقعيد، وهي خاصيةٌ يمارسها كل الناس بسلاسةٍ فطرية مع تفاوتهم في أنواع الذكاء ودرجاته، وبهذه الخاصية يتعلّم الصغار قبل الكبار، وبها تتراكم خبرات الكبار مع زيادة تجاربهم في الحياة؛ فالإنسان دائمًا ما يتعامل مع الجزئيات، يرى أفرادًا من البشر مثلًا فيجرد المعنى الإنساني المشترك بينهم، ويميز المعنى الكلي للإنسان فلا يختلط عليه إنسانٌ بحيوانٍ أو نباتٍ مثلًا، ولا يقف محتارًا حين يرى إنسانًا معيَّنًا لم يرَه من قبل ليتردد في كونه إنسانًا من عدم ذلك، وعلى ما ذكرنا يُقاس ما لم نذكرْ.

فإدراكنا للجزئيات دائمًا ما يكون محدودًا مهما اتسع، وسيبقى هناك المزيد من الجزئيات التي لن نعرفها أو نحسن التعامل معها إلا إذا كانت داخلةً ضمن كلياتٍ استقرَّت عندنا هي ثمرة إدراكنا للجزئيات السابقة، وكلّما كانت عملية التجريد للجزئيات من خصوصياتها المعينة وصولًا إلى التقعيد للكليات الشاملة للجزئيات السابقة، ولما يماثلها تحت نفس الكليات المقررة كلما كانت تلك العملية صحيحةً كان اليقين في القاعدة الكلية ثابتًا مستقرًّا لدى العقلاء.

ولله المثل الأعلى

ينظر الإنسان في نفسه وفي الآفاق فيرى لكل فعلٍ فاعلًا ولكل حادثٍ سببًا، فيوقن أن له وللكون المحيط به خالقًا قد نقله من العدم إلى الوجود، فالإنسان لم يخلق نفسه ولم يخلقه غيره من النّاس كما لا يخلق هو غيره منهم، وباقي المخلوقات المحيطة أنقص من الإنسان فهي أبعد عن أن تكون خالقةً لنفسها ولا للإنسان.

ثمّ العدم غير الموجود يستحيل أن يخلق غيره فيهبه الوجود، فلا بد من ربٍّ خالقٍ قد وهب الإنسان والكون وجودهما، وهو في حقيقته ووجوده مغايرٌ لهما ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (35) أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَل لَا يُوقِنُونَ (36)﴾ [الطور:35-36].

وينظر الإنسان فيرى في كل فعلٍ شيءٍ من أثر فاعله؛ ففي كل عطاءٍ دلالة على شيءٍ من ملك واهبه، وفي كل صنعةٍ دلالة على شيءٍ من صفات صانعها، فيستدل بما يرى في الخلق على صفات الخالق سبحانه، فهذه المخلوقات الهائلة من الذرة إلى المجرّة لا تصدر إلّا عن علمٍ واسع وقدرةٍ عالية ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق:12].

وكان الإحكام في إتقان الخلق كله وإتقان تكامله لا يصدر إلّا عن حكمةٍ بالغةٍ يمتنع معها العبَث فيكون لكل شيءٍ في الخلق غاياته المحمودة التي لأجلها يفعل الحكيم -عزَّ وجَل- ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران:191].

وهكذا نرى في الخلق شواهد الغنى الرباني؛ أرأيتم ما أنفق منذ خلق السماوات والأرض؟! فإنه لم يغض ما في يمينه. ونرى في الخلق دلائل الرحمة الشاملة أنزل في الدنيا جزءًا واحدًا به يتراحم الخلق «حَتَّى تَرْفَعَ الفَرَسُ حَافِرَهَا عَنْ وَلَدِهَا، خَشْيَةَ أَنْ تُصِيبَهُ» [صحيح الجامع: 3095] إلى آخر الحديث.

بل حيث وقع نظر الإنسان في نفسه وفي الخلق من حوله رأى آثار الرحمة الإلهية ﴿فَانْظُرْ إِلَى آَثَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الروم:50]، وكلما نظر العبد أكثر رأى من آثار الكمال الرباني ما هو أكثر ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (17) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (18) وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (19) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ (20) فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (21)﴾ [سورة الغاشية: 17-21].

واهب الكمال أولى به

وهذه بدهيةٌ عقلية؛ إذ كيف يغني غيره من ليس بغنيٍّ في نفسه؟! وكيف يبذل العلم من لا يحوزه لنفسه؟! وهل يمكن لناقصٍ لا يملك كمالًا لنفسه أن يهب ذلك الكمال المفقود لغيره؟!

لمّا قرر العقلاء ما سبق قرر علماء المسلمين تأسيسًا عليها أنّ كل كمالٍ ثبت للمخلوق وهو لا يستلزم نقصًا بوجهٍ من الوجوه فهو في الخالق أولى وأكمل، فالرحمة كمال لا يستلزم نقصًا ولله أكمل الرحمة، «اللهُ أرحَمُ بعبادِه مِن هذه المرأةِ بولَدِها» [المعجم الأوسط: 3/232]؛ أي الأم التي كانت في السبي وفقدت طفلها، ثم وجدته فأخذته واحتضنته وأرضعته.

والقوة كمالٌ لا يستلزم نقصًا، ولله أكمل القوة ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ [فصلت:15] كما قال الله -عزَّ وجَل- بعد أن حكى أنّ عادًا ﴿اسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ [فصلت:15].

ولمّا كانت الغيرة على الحُرمات كمالًا لا يستلزم نقصًا، قال -صلَّى الله عليه وسلَّم-: «فَقالَ: أَتَعْجَبُونَ مِن غَيْرَةِ سَعْدٍ([1])، فَوَاللَّهِ لأَنَا أَغْيَرُ منه، وَاللَّهُ أَغْيَرُ مِنِّي، مِن أَجْلِ غَيْرَةِ اللهِ حَرَّمَ الفَوَاحِشَ، ما ظَهَرَ منها، وَما بَطَنَ» [صحيح مسلم: 1499].

ولمّا كان التماس الأعذار للآخرين من المخلوقين ومراعاة ضعفهم كمالًا لا يستلزم نقصًا، قال -صلَّى الله عليه وسلَّم-: «وَليسَ أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيْهِ العُذْرُ مِنَ اللهِ، مِن أَجْلِ ذلكَ أَنْزَلَ الكِتَابَ وَأَرْسَلَ الرُّسُلَ» [صحيح مسلم: 2760] مبشرين ومنذرين، وعلى ما ذكرنا يُقاس ما لم نذكرْ.

أمّا الكمال الذي يستلزم نقصًا ولو بوجهٍ من الوجوه فهو كمالٌ لائقٌ بالمخلوق ويتنزّه عنه الخالق سبحانه كالزوج والولد مثلًا فهما في المخلوقين كمال، والعجز عنهما فيهم نقص لكن ذلك لحاجة المخلوق للزوج والولد؛ ولأن الولد يخلف أبويه فيكون امتدادًا لهما في الحياة وربنا لا يحتاج ولا يموت، بل هو -عزَّ وجَل- الحيُّ القيوم فله الحياة الكاملة المستلزمة لكل صفات كمال الذات من علمٍ وسمعٍ وبصرٍ وقدرةٍ ونحوها، وهو واهب الحياة لكل حيٍّ سواه، فحياته بنفسه وحياة غيره به -تبَارَك وتعالَى-، وله القيومية الكاملة المستلزمة لكل صفات كمال الفعل، فهو القائم بنفسه المستغني عن كل ما عداه وهو المقيم لكل من سواه إيجادًا وإعدادًا وإمدادًا، فقيامه بنفسه وقيام غيره به -تبَارَك وتعالَى-﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (88) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (89) تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (90) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (91) وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (92) إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آَتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (93)﴾ [سورة مريم: 88-93].

محاراتٌ لا محالات

تظهر الكمالات الربانية في فعله تعالى كله، فتظهر في قدره وتظهر في شرعه، تبصرها العقول المستنيرة، وتشهد لها الفطَر المستقيمة كما في قوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ [آل عمران:18]([2])، تظهر في جزئياتٍ متكاثرة متكررة فيستقر في قلب المؤمن اليقين بكمال ربه الذي يعامله في علمه وعدله ورحمته وفضله وقوته وغناه وحكمته إلى آخر صفات الكمال الرباني، بل يوقن أنّ له -تبَارَك وتعالَى- أكمل الكمال والذي تتقاصر دونه كل رُتب الكمال لغيره، فيكون كمال غيره كمالًا نسبيًّا وإضافيًّا؛ لأنه اللائق بالمخلوق بخلاف الكمال المطلق الذي لا يليق إلّا بالخالق -سبحانه وتعالَى- ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:11].

ولذلك قال الله تعالى لكل واحدٍ منّا: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم:65] تقريرًا لانفراده -عزَّ وجَل- بأكمل الكمال.

ثمّ تأتي جزئياتٌ في القدر وجزئياتٌ في الشرع لا يرى العبد فيها أثر تلكم الكمالات، فلا يتبين الحكمة منها أو يخفى عليه العدل فيها، أو لا يظهر له ما فيها من الرحمة ونحو ذلك، لا يأتي ما يناقض الحكمة أو العدل أو الرحمة ونحوها هذا بالقطع يقينًا، لكن يأتي ما تحتار فيه عقول الخلق كلهم أو بعضهم، فالمستحيل المناقض للكمال قطعًا لا يكون، أمّا غير المفهوم وجهه وكيفية تحقق الكمال فيه المحيّر لعقول الخلق فهو كائنٌ في القدر والشرع جميعًا([3]).

ولابد مما سبق؛ إذ أنّه لن يساوي مخلوقٌ خالقه في الكمال فيعلم كعلمه ويحيط بحكمته ولا يخفى عليه شيءٌ من عدله أو رحمته، فلا بد مما يحيّر ليظهر عجز المخلوق ونقصه وضعفه فيعرف ربّه بالكمال كلما عرف نفسه بالنقص، وليظهر يقين المؤمن بكمال ربه وتسليمه وخضوعه في معاملته -عزَّ وجَل- ولا يكون كمن ﴿يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الحج:11].

لا يُسأل عمّا يفعل

فمهما غاب عن المؤمن من شهود آثار الكمالات الربانية في فعلٍ من أمر الكون المقدَّر، أو في فعلٍ من أمر الشرع المنزَّل، مهما غاب عنه من ذلك مع حرصه وطلبه فإنّه يطمئن قلبه إلى اليقين بكمال ربّه، وأنّه تعالى أولى بأكمل الكمال من الإنسان نفسه ومن كل مخلوق، إنّ سؤال الاعتراض أو سؤال المحاسبة أو سؤال من يظن أنّه لا بد أن يصله الجواب لا يصدر شيءٌ من ذلك عن مؤمنٍ عرف نفسه بالنقص وشهد لربه بأكمل الكمال، فهو مع تلمُّسه لرؤية آثار الكمالات الربانية في كل قدرٍ وفي كل شرعٍ، ومع حرصه على التعبُّد له -تبَارَك وتعالَى- بما يحبه في كل قدرٍ وعند كل شرع، فإنّه لا يعلّق عبوديته لله على معرفة علمٍ يعلمه الله ويجهله العبد، ولا يشوش جهله بتفاصيل جزئية على علمه بالكمالات الكليّة، فالجهل لا يعارض العلم، وكما قال ابن مسعودٍ -رضِيَ الله عنه-: “اليَقينُ: الإيمانُ كُلُّه” [إرشاد الساري: 1/88].

فالله -عزَّ وجَل- لا يُسأل سؤال اعتراض؛ لأنّ من شهد لنفسه بالنقص لا يُعقَل منه أن يعترض على ربّه الذي شهد له بالكمال، والله -عزَّ وجَل- لا يُسأل سؤال محاسبة؛ لأن من شهد لنفسه بالعبودية لا يجوز له أن يحاسب ربّه الذي شهد له بالألوهية، والله -عزَّ وجَل- لا يُسأل سؤالًا يكون مُلزَمًا بإيصال إجابته لأحدٍ من خلقه؛ إذ لا يجب عليه حقٌّ لخلقه إلّا ما أحقَّه الله تعالى على نفسه المقدسّة بمقتضى كمالاته الربانية الواجبة له سبحانه، وهذا ليس منها.

إنَّ يقين المؤمن أنّه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف:54] فكما لا يخرج شيءٌ عن خلقه فإنّه لا يخرج شيءٌ عن تدبيره -سبحانه وتعالَى- وكلُّ ذلك بمشيئته الكاملة ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾ [القصص:68].

ويقين المؤمن أنّ كل ما كان مقيَّدًا بالإرادة الشرعية أو بالإرادة الكونية وهي المشيئة فهو متعلقٌّ بالحكمة ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الإنسان:30]([4]) فمشيئته -عزَّ وجَل- تابعةٌ لعلمه الواسع وحكمته البالغة، إنّ الرضا بالله ربًّا يتضمّن اكتفاء المؤمن بربِّه ثقةً في كماله وكمال ما يصدر عنه، وتسليمًا وعبوديةً له -سبحانه وتعالَى- وحده دون سواه، ويتضمّن الإعراض عن كل معبودٍ ينازعه في القلب أو في الدنيا.

وليس في الأسئلة الممنوعة التي ذكرناها إلّا شُبهاتٍ يلقيها الشيطان ليعارض بها الإيمان في القلب، وعلى المؤمن أن يكرهها ويجاهد في دفعها بالعلم والعمل، وبعدم التمادي معها مع العلم ببطلانها من جهة، ومع الخوف من سوء عاقبتها من جهةٍ أخرى، وكلُّ ذلك ممكنٌ كونًا وواجبٌ شرعًا لتحقيق الإيمان والمحافظة عليه، فضلًا عن أنّ ذلك مقتضى استقرار العقل ولازم عدم التناقض في الفهم.

وهكذا اكتشفنا الخلل

إنّ الخلل في أسئلة المحنة والفتنة أنَّها تكون أسئلةً جزئية تقلُّ أو تكثر من مثل: لماذا حدث لي كذا؟ ولماذا لم يحدث لي كذا؟ ولماذا حدث لفلانٍ كذا؟ ولماذا لم يحدث لفلانٍ كذا؟ وكيف يحدث كذا لي وكذا لفلان مع أنِّي كذا وأفعل كذا وفلانٌ كذا ويفعل كذا؟ ولماذا حدث أو يحدث الشيء الفلانيّ في الظرف الفلانيّ ولا يحدث في الظرف الفلانّي؟ إلى آخر ما يمكن من هذه الأسئلة الجزئية والتي يُشوَّش بها على كليّات الكمال الربانيّ.

وقد قدَّمنا قبل أنَّ العاقل يوقن بالكليّات من خلال عددٍ كافٍ من الجزئيات، وأنّ الإلمام بكيفية دخول كل جزئيات القدر تحت كل كليّات الكمال الربّاني على وجه التفصيل لهو أمرٌ لا يناله مخلوق؛ ولهذا لا يسوغ لمؤمنٍ أن يعلِّق إيمانه على مثله، بل يبقى التسليم منهجًا لابد منه مع المحارات في القدر أو في الشرع ما دام العبد قد حصل له اليقين بكليات الكمال الرباني كما سبق، مع القطع يقينًا باستحالة تناقض أي جزئيةٍ قدرية مع الكمال الرباني من كل وجه؛ إذ عن ذلك الكمال الرباني قد صدرت كل الأقدار وصدرت كل الشرائع لا يشذُّ عن ذلك شيء، لكن إدراك النّاس للتفاصيل يتفاوت تفاوتًا أعظم من التفاوت القائم بينهم في إدراك الكليّات.

إنّ الخلل في أسئلة المحنة والفتنة أنّها تعبّر عن ضعف صاحبها وتأزّمه أكثر مما تعبر عن عقلانية الأسئلة في ذاتها، أو عن مدى الحاجة الحقيقة للإجابة عنها؛ لذلك ترفض الشخصية المأزومة ردّها إلى كليات الكمال الرباني في نفس الوقت الذي تسلّم فيه بعدم قدرتها على الإحاطة بكل تفاصيل الكمال الرباني في القدر أو في الشرع في جدليةٍ متناقضةٍ لا يعطي صاحبها لنفسه فرصةً حقيقة للخروج منها بمقتضى العقل والإيمان.

إنَّ الشخص الذي تسيطر على قلبه هواجس هذه الأسئلة بسبب مصيبةٍ أو هزيمةٍ عامة مهما كانت قاسية أو بسبب ظروف ابتلاءٍ خاصةٍ في النفس أو في الأهل أو في المال مهما كانت مؤلمة، إنّه ليس هناك فارقٌ كبير بين هذا الشخص وبين من تسيطر على قلبه هواجس هذه الأسئلة بسبب أحكامٍ شرعيةٍ عامةٍ كأحكام النساء في الحجاب أو الميراث ونحوهما، أو كبعض أحكام الحدود أو الجهاد ونحوهما مما ضعفت نفسه عن الرضا به أو الصبر عليه لشدة معارضته لأهوائها، فوجَّه من خلال جزئياتها أسئلة الاعتراض التفصيلية التي يتوهّم أو يدّعي مناقضتها لكليات الكمال كالعدل والرحمة ونحوهما.

وإنّما قلنا: إن الفارق بين تلكم الشخصيتين ليس كبيرًا باعتبار المشترك الكبير والحقيقي بين الخللين وإن تعلّق الأول بالقدر أكثر والثاني بالشرع أكثر، لكننا أثبتنا فارقًا باعتبارٍ آخر، فإنّ صاحب الأسئلة القدرية قد يكون في أول طريق الفتنة وهو متعلقٌ بربه وبدينه، وهو كارهٌ لآخر طريق الفتنة في القدر كما هو كارهٌ لطريق الفتنة في الشرع، وهو متألمٌ من تأزِّمه لكنّه غير متبصِّر في مشكلته غير قويٍّ على حلّها، فهو أقرب للخير والرحمة ورجاء النجاة في الدنيا والآخرة.

هل هناك من حلٍّ؟

بالتأكيد يوجد لمشكلتنا حل فإنّ الله سبحانه لم يجعل في الدنيا مشكلةً بلا حل، وإن فات هذا الحلُّ ناسًا ما في ظرفٍ ما مصداقًا لحديث رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم-: «لكلِّ داءٍ دواء، فإذا أصيب دواء الداء برئ بإذن الله» [صحيح مسلم: 2204] فهناك يقينٌ وأمل يدفعان للعمل، وهذا الحلُّ يكون بما يلي:

أولًا: الاعتراف بالمشكلة وحُسن فهمها؛ فإنّ خداع الإنسان لنفسه حول مشكلته هو حاجزٌ يحول بين الإنسان وبين حلّها، وكسر هذا الحاجز هو أول خطوة يخطوها الإنسان في طريق الحل.

ثانيًا: الاستعانة بالله الذي لا حول ولا قوة إلا به، والذي قلوب العباد بين أصبعين من أصابعه، وهو أقرب إلى العبد من نفسه، فمن أصلحه الله صلح ومن تولاه أفلح، ومن تركه ضاع فمن يهديه من بعد الله؟! ومن وقف على باب الله أوشك أن يُفتَح له الباب ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر:15].

ثالثًا: إحسان الظن بالله تعالى وإساءة الظن بالنفس فإنّه ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [النساء:79] وإيّاك والغرور الشيطاني الذي يعكس الحقيقة كما قال إبليس ﴿رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾ [الحجر:39] والعياذ بالله.

رابعًا: قصر حبل الشبهات الباطلة وترك الاسترسال معها بالانتهاء مع الجزم بالبطلان والانتقال إلى اليقين المنافي لها والمناقض لأباطيلها، كما في حديث النبي -صلَّى الله عليه وسلَّم-: «يأتي الشيطانُ أحدَكم فيقول: مَن خلق كذا؟ مَن خلق كذا؟حتى يقول: مَن خلق ربُّك؟ فإذا بلغه، فقولوا: اللهُ أَحَدٌ. اللهُ الصَّمَدُ. لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ. وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوٌا أَحَدٌ» [صحيح الترغيب: 1613] فهو يقدر على الانتهاء المذكور وعلى معارضة الشبهة باليقين ويجب عليه ذلك.

خامسًا: شغل النفس بأنواع العلوم النافعة والأعمال الصالحة التي تبني دين الإنسان ودنياه؛ فإنّ النفس إن لم تشغلها بالحق شغلتك بالباطل كما قرر علماء تزكية النفوس، والنفس دائمة الحركة في الأفكار والمشاعر المتنوعة، فإن لم توجهها أنت لما ينفعها ولو بالترفيه المباح عنها، فإن الشيطان سيوجهها لما يضرها.

سادسًا: ملازمة الصحبة الصالحة والحرص على الوجود مع العلاقات الإنسانية المشغلة بما لا يضر أكثر وقتٍ ممكن، فإنّ انفراد الضعيف المريض يضره أكثر مما ينفعه، ويكون الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد، فإن الضعيف يتقوى بمن حوله.

سابعًا: السعي في تقليل الآثار السلبية للمحنة وإيجاد المخارج الواقعية الممكنة لتجاوزها، فإنّها مادةٌ داعمةٌ لوجود الوساوس والضغط على ضعف الإنسان، ألم يُشرع للمسلم أن يستعيذ بالله من الكفر والفقر، فعلاج الفقر قاطعٌ لمادةٍ يستثمرها الشيطان في دعم الكُفر، لكن هذا السعي سيبقى في دائرة الممكن، وهو مما يقبل التفاوت وليس مما يتوقف حل المشكلة عليه، لكنه لو تيسّر فإنّه يساعد كثيرًا إذا وفّق الله وأعان.

ثامنًا: الصبر وإكراه النفس على الاستمرار في العلاج، وعدم استعجال الحل ورفض اليأس، والحذر من الملل والكسل، فإن المرض الذي تسلّط في أسابيع وشهور وربّما في سنين قد لا يُعالَج في أيامٍ قليلة، و «أنّ النصر مع الصبر» [مجمع الزوائد: 7/192].

تاسعًا: الإقبال على القرآن الكريم تلاوةً وتدبُّرًا واستشفاءً فإنّه ﴿شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء:82] وهو ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة:2]، وفيه رد كل شبهة ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ [الفرقان:33]، بل إنه روح الروح فلا تحيا إلا به ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾ [الشورى:52].

عاشرًا: استحضار الآخرة واستعظامها، والاستهانة بالدنيا وتقليلها، فإن المحنة تضغط على دنيانا لتفتننا في ديننا؛ لذلك ضرب الله للدنيا الأمثال، وزهّد فيها، ووصف الآخرة ورغّب فيها، وكل النّاس مُذ حلُّوا في الدنيا فإنّهم راحلون عنها، سائرون إلى الآخرة رغمًا عنهم، فليس بين كل إنسانٍ وبين الآخرة إلّا نفَسٌ يدخل فلا يخرج، أو يخرج فلا يدخل، لهذا قال رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم-: «الجَنَّةُ أقْرَبُ إلى أحَدِكُمْ مِن شِراكِ نَعْلِهِ، والنَّارُ مِثْلُ ذلكَ» [صحيح الجامع: 3115]، «وإنَّ اللهَ يُعطي الدُّنيا مَن يُحِبُّ ومَن لا يُحِبُّ، ولا يُعطي الدِّينَ إلَّا مَن يُحِبُّ» [الترغيب والترهيب: 3/19]، ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس:58].

متى نبدأ العلاج؟

ابدأ العلاج الآن، فعمرك قصير ونفسك غالية، وإياك والتسويف فإنّه خدعة الشيطان والنفس الأمارة بالسوء، حين يريدان أن يبعداك عن أمرٍ تحرص عليه فيحتالان عليك بالتسويف، عليك بالعزيمة فإن الآمال تُدرك بالعزائم، وتلهي عنها الأمنيات، وإن ما لا تبدأ فيه بقوة وتستمر عليه بصبر، لا تكاد تصل منه إلى نتيجة.

إنّ العمل الذي ستؤجله لحين الفراغ له، هو العمل الذي لن تقوم به حتى لو تفرغت، والعمل الذي تقوم به هو ما تنهض له الآن وتبدأ فيه.

أرجو أن تعيد قراءة هذه الورقات من أولها، وتربط بدايتها بنهايتها، ومع آخر الكلمات اجعل أول العزمات، وانطلق في حياةٍ أفضل تتصل فيها سعادة الدنيا بسعادة الآخرة، ولا تنسى كاتب هذه الكلمات من دعوةٍ صالحة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

([1]) أي: ابن عبادة -رضِيَ الله عنه-.

([2]) آل عمران الآية 18، وراجع “لماذا يوجد الظلم؟” للكاتب.

([3]) كما في قصة الخضر مع موسى -عليهما السلام-.

([4]) راجع شرح الكاتب لرسالة “إنّ ربك حكيمٌ عليم“.


التعليقات