لأني ظُلمت

تجربة أن تكون مظلوما هي تجربة أليمة في حياة الإنسان، وهي مع ذلك تجربة لا تكاد تخلو منها حياة أي إنسان، كنوع من الامتحانات القدرية التي تتعاقب عليه وتصيبه في الدنيا. لكن فعل الظلم الواحد ليس له في نفوس الناس وواقعهم رد فعل واحد، فمن الناس من يتحول بعد تلك التجربة إلى ظالم يكررها مع غيره، ومن الناس من يتحول بعدها إلى شخص مُنزوٍ لا يبالي إلا بنفسه وبمصلحته، ومن الناس من يكون له بعدها شأن آخر، وآخر، وآخر، فأيُّ الناس أنا بين هؤلاء الناس؟.

لأني ظُلمت.. كرهت الظلم كله، وكرهت أن يقع على أي إنسان، بل على أي كائن في هذه الحياة. إن الظلم عدوان على حقوق الخلق الممنوحة لهم من الخالق سبحانه، ولذلك تنكره كل فطرة سليمة ولو كان صاحبها طفلا لم يكتمل تمييزه بعد، بل ولو كان صاحبها حيوانا منقوصا من عقله واختياره.

فليس ألمي من ظلم أصابني إلا مثالا أقيس عليه ألم كل مظلوم، وأكون من خلاله شريكا له في مشاعره حال محنته، وأكره به كل ظلم يقع في الدنيا. ألم يقل رب العالمين في الحديث القدسي:”يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلَا تَظَالَمُوا”؟، فكيف لا أكره كل ظلم؟.

لأني ظُلمت.. فقد قررت أن أقف في مواجهة الظالمين، متصديا لظلمهم، بكل ما أملكه من قوة في حياتي هذه. إذ كيف يقدر إنسان بعد تجربة وقوع الظلم عليه أن يكون في صف ظالم، عونا له على ظلمه، ضد مظلوم، يشبه حالُه حال نفسه في الأمس القريب؟. كيف ينسى وعيد الله سبحانه وتعالى: (وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ).

إنه لا معنى لكراهية الظلم مالم تُترجم تلك الكراهية إلى موقف من كل ظالم، وإلى سعي في منعه من الظلم بحسب القدرة. ألم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم: {انصُر أخاكَ ظالمًا أو مَظلومًا قيلَ : يا رسولَ اللَّهِ هذا نَصرتُهُ مظلومًا فَكَيفَ أنصرُهُ إذا كانَ ظالمًا ؟ قال : تحجِزُهُ وتمنعُهُ من الظُّلمِ ، فذاك نصرُهُ }، فكيف لا أمنع كل ظالم؟.

إن من يسمح للظالم أن يظلم كما يشاء ويترك له الطريق خاليا، إنه في الحقيقة شريك له في ظلمه إذ الظلم درجات، فلولاه وأمثاله ما تمكن ظالم من ظلم.

لأني ظُلمت.. فأنا أرفض مسالك السلبيين المنسحبين من معركة الحياة إلى حيث الظلال الهادئة. لا أرتضي سبيلهم، لا لنفسي فأشاركهم في وصفهم، ولا لهم فأعذرهم في حالهم. وهل يعيش الإنسان وحده فقط؟، أو لنفسه فقط؟، ليتقوقع على مصالحه الشخصية. وهل يأمن ذلك السلبي المنسحب على نفسه من ظلم يمكن أن يناله؟، بل يوشك أن يقهره.

إن من يسمح للظالم أن يظلم كما يشاء ويترك له الطريق خاليا، إنه في الحقيقة شريك له في ظلمه إذ الظلم درجات، فلولاه وأمثاله ما تمكن ظالم من ظلم. ألم يقرر الله عز وجل في القرآن أن من سننه في حياة الناس أنه (وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ)؟، فكيف لا يكون السلبيون سببا معينا على فسادها بالظلم؟.

لأني ظُلمت.. أرحم كل ضعيف من خلق الله، إذ حق الضعيف أن يرحمه أهل الكرم والنبل. فلا يتكبر على الضعيف ويجترئ على ظلمه، إلا من تشوهت نفسه وقسا قلبه، بل لا يفعل هذا إلا من نسي أصله، وأنه ضعيف مغرور بنعمة امتحنه الله بها. وهل كنت أنا إلا ضعيفا فقواني ربي بإحسانه: (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً)؟.

ألم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم مبشرا:”الرَّاحمونَ يرحمُهُمُ الرَّحمنُ”؟. كما قرر محذرا:”من لا يَرحم لا يُرحم”؟ فكيف لا أرحم كل ضعيف؟

لأني ظُلمت.. لا أستسلم للضعف، بل أسعى جاهدا لامتلاك مايمكن من أسباب القوة فإن الضعف يغري اللئام بالتعدي، والدنيا لاتخلو منهم. والإنسان الذي قد بقيت له بقية من كرامته الإنسانية لايستسيغ الظلم الواقع عليه وهو يقدر على دفعه في الحال أو في المآل، فإن المفرط مسؤول عن تبعات تفريطه بحكم العقل وبحكم الشرع جميعا، وهل يكون عاقلا من ظلم مرة لضعفه ثم لم يسعى لإزالة الضعف ومنع الظلم من الوقوع عليه مرة أخري.

إن حر النفس تحركه آلام المظالم السابقة إلى أشواق العزة اللاحقة ولا بد ألم يأمرنا العليم الحكيم سبحانه قائلا “وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ” فكيف أستسلم للضعف بعدها!

لأني ظُلمت.. فأنا موقن بعجز الظالمين رغم طغيانهم مستصغر لهم رغم استكبارهم فمن يوهم الناس أنه يملك أمر كل شئ هو في الحقيقة لايملك أمر نفسه، ألم نرى مظلوما عاش طويلا وقد مات ظالمه بسرعة ألا نرى أن الظالم يزول في لحظة ويموت في نفس، ألا نرى علامات العجز في نوم ومرض وخلاء ونحوها.

ألا يكفيني أن الله يدافع عن الذين آمنوا وأن مردنا إلى الله وأن المسرفين هم أصحاب النار فستذكرون ما أقول لكم وأفوض أمري إلى الله إن الله بصير بالعباد.

لقد أصابني دوما ما قدر علي من الظلم وليس ما أراده الظالمون منه، فكم أرادوا ظلما فصرفه الله أو صرفهم، ألم يقم الله تبارك و تعالى الدلائل الكثيرة على أنه ضعف الطالب والمطلوب فكيف يعظُم بالوهم ظالم في عيني.

لأني ظُلمت.. فكلي ثقة في عدل ربي الذي خلقني وما كان ليتركني أو ليضيع حقي، أما الخلق بين محسن ومسئ وكلهم ممتحنون مثلي وكلهم محاسبون معي، إن عدل ربي جاء في الدنيا فلذلك استنكر قائلا “أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ ۚ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ” لكنه سبحانه لما خلق الدنيا دار ابتلاء جعل كمال الجزاء حيث تتم نهايته ويعم ظهوره في يوم الدين “فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه”.

ألا يكفيني أن الله يدافع عن الذين آمنوا وأن مردنا إلي الله وأن المسرفين هم أصحاب النار فستذكرون ما أقول لكم وأفوض أمري إلي الله إن الله بصير بالعباد.

لأني ظُلمت.. أحب العدل وأقدره وهل ينسى مظلوم شوقه إلى العدل..؟ وهل يعرف قدر العدل أحد مثلما يعرفه من جرب وقوع الظلم على نفسه؟ أليس من أجل مثل هذا قالوا قديما والضد يظهر حسنه الضد.؟ فكيف لا أحرص على عدل به قوام السماوات والأرض، وبه جزاء الدنيا والآخرة .. كيف؟

كيف لا أنصف من نفسي ومن أحب؟

العدل أحب إلي وأعظم عندي.. ألم ينادنا الله سبحانه بوصف الإيمان قائلا “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ ۚ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَىٰ بِهِمَا ۖ فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَىٰ أَن تَعْدِلُوا” فكيف لا أعلي العدل في باطني وظاهري..؟

لأني ظُلمت.. أقدم الإحسان إلي الخلق بديلا عن الإساءة، وأرجو إحسان ربي الكريم إلى فإن نفسي التي أنكرت الظلم ورأت فيه نقص أصحابه ولؤمهم تتعالى علي كل محاولات الهدم من شياطين الجن والإنس اعتزازا بقول الله العلي “وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ” فتعلو بالإيمان وتزكو بالإحسان وتكمل بالكرم.

أليس شأن أهل الكمال والكرم أن يقيموا علاقتهم بالخلق على قاعدة الإحسان؟ وهل يُنتظر من الكبار حقا إلا ما يليق بهم أو يُعبر عنهم مما لايساوون فيه غيرهم من الصغار..؟

إن من يرجو الخير من ربه العلي الكريم عز وجل ليس له إلا سبيل واحد يجعله من أهل الإحسان الرباني “هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ”.. فكيف لا أقدم الإحسان..؟

أما الظالمون فلا أقول لهم إلا “قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ ۖ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَن يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا ۖ فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُم مُّتَرَبِّصُونَ”.


التعليقات