الاتحاد الأوروبي من منظور مؤسسه

يُعد جان مونيه (1888-1979) أبرز شخصية ساهمت في تأسيس الاتحاد الأوروبي. وبدأ حياته في التجارة في الخمور باهظة الثمن عبر الشركة التي تملكها عائلته ثم اكتسب خبرة كبيرة خلال عمله الدبلوماسي في عصبة الأمم بعد الحرب العالمية الأولى فضلا عن أعماله المتنوعة في الصين والولايات المتحدة وبريطانيا. وفي ظل تجربة عمله في عصبة الأمم رأى كيف فشلت المنظمة في منع اندلاع حرب عالمية ثانية أشد دموية من سابقتها. ومن ثم عقب انتهاء الحرب استفاد من خبراته الدبلوماسية وعلاقاته الواسعة في اقناع وزير الخارجية الفرنسي روبرت شومان بمشروع الجماعة الأوروبية للفحم والصلب الذي يُعد النواة الأولى للاتحاد الأوروبي الذي تأسس لاحقا بعد معاهدة ماستريخت في عام 1992، فصدر إعلان شومان في عام 1950 الخاص بتأسيس الجماعة الأوروبية للفحم والصلب (ECSC)، وتولى مونيه منصب أول رئيس لها.

دوافع تأسيس الاتحاد الأوروبي؟

في ظل انخراط أوروبا في الحربين العالميتين الأولى والثانية، وتعرضها لدمار كبير، ونضوب مواردها الوطنية، وتصاعد النزعات التحررية في المستعمرات التي هيمنت عليها أوروبا سابقا، وفقدان الدول الأوروبية الكبرى لإمبراطورياتها، وبروز الخطر السوفيتي في حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية، وانقسام القارة الأوروبية إلى جزء شرقي يتبنى الشيوعية، وآخر غربي يتبنى الليبرالية ، اقترحت الولايات المتحدة الأمريكية في عام 1947 خطة إنعاش اقتصادي للقارة الأوروبية اشتهرت باسم خطة مارشال كي تتمكن من إعادة بناء ما دمرته الحرب ومواجهة التهديدات السوفيتية.

وضمن هذا السياق رأى مونيه أنه لابد من ايجاد صيغة تكفل لأوروبا تجنب خوض حروب مدمرة جديدة. ورأى أن الخطوة الأولى لتحقيق ذلك تتمثل في إحداث تغييرات جوهرية في الطريقة التي يفكر بها الأوربيون لحل هذا النوع من المشكلات. واستفاد مونيه من تنظيرات عالم الاجتماع البريطاني المولود في رومانيا ديفيد ميتراني (1888-1975) التي طرحها في عام 1943 عبر معهد تشاتام هاوس البريطاني في إصدار بعنوان “نظام سلام عامل”. حيث رأى ميتراني أن القومية هي أصل الصراع بين الدول الأوروبية، ومن ثم دعا إلى صناعة تكامل بين الدول الأوروبية يساهم في تأسيس نظام إقليمي للسلام عبر اتباع استراتيجية متدرجة تعمل خطوة بخطوة، وتعتمد على أن النجاح في تحقيق تكامل في الجوانب الاقتصادية سيؤدي إلى مزيد من التكامل لاحقا في جوانب أخرى.

وفي تلك الآونة رأى مونيه أن العالم يشهد تطورات صناعية غير مسبوقة، تساهم في استخدام وتوظيف المواد الخام بشكل أكبر، وتؤدي إلى إحداث وفرة في المنتجات بالتوازي مع حدوث نهضة طبية تساهم في إطالة عمر البشر وزيادة عدد السكان بشكل مطرد مما سيؤدي إلى ظهور مجتمعات جديدة جماهيرية الطابع وأكثر تعليما وثقافة، وتملك من أدوات الدمار ما يهدد بقاء البشرية مما يتطلب إيجاد طرق لتلافي الحروب وإقامة سلام دائم.

وبحسب مونيه، فقد تسبب الصراع القومي بين الدول الأوروبية في اندلاع صراعات وحروب، والحل يكمن في بناء كيان فوق وطني (عابر للقوميات) يدمج المصالح المشتركة للدول الأوروبية، ويسوي النزاعات بشكل سلمي، ويلبي احتياجات المواطنين. في حين رفض مونيه فكرة بناء اتحاد بين الدول الأوروبية باعتبار أن هذا سيمثل خطوة تتجاهل صعوبة خلق أجواء من الثقة بشكل سريع بين دول خاضت ضد بعضها عدة حروب دامية خلال عقود، واعتبر أن الخطوات الصغيرة المتواضعة في البداية هي التي ستساهم في خلق أجواء من الثقة وصولا إلى تحقيق خطوات أكبر مستقبلا.

وفيما يخص الاكتفاء بالتعاون بين الدول الأوروبية فقد رأى مونيه أنه لن يحقق التكامل المنشود، حيث أن التعاون يعني حفاظ كل دولة على سيادتها الوطنية وحرصها على تحقيق مصالحها الذاتية في حين أن التكامل يتطلب تفويض كل دولة لجزء من سيادتها الوطنية إلى مؤسسات فوق وطنية بحيث تتشارك الدول سيادتها بشكل جماعي في تلك المؤسسات الجديدة.

في تلك الأجواء كانت فرنسا تحاول مكافحة ارتفاع مستويات التضخم، وإعادة بناء اقتصادها الذي دمرته الحرب، وسط تخوفات من انبعاث القوة الألمانية مجددا مما يهدد المصالح الفرنسية. وأصبح من الواضح أن فرنسا كي تتعافى مجددا تحتاج إلى ايجاد صيغة جديدة للتعامل مع ألمانيا تختلف عن صيغة سلام ما بعد الحرب العالمية الأولى التي فرضت على ألمانيا شروطا مذلة ساهمت في تأجيج المشاعر القومية الألمانية وصعود هتلر إلى الحكم وصولا إلى خوض ألمانيا لحرب عالمية جديدة غزت خلالها فرنسا مجددا واحتلت باريس للمرة الثانية خلال سبعين سنة.

ما الحل للصراع الفرنسي مع ألمانيا؟           

رأى مونيه أن الحرب تعتمد على الإمكانات الاقتصادية بشكل كبير، وفي حال عدم قدرة الدول على التحكم في اقتصادها بشكل منفرد نظرا لاندماجه مع اقتصادات دول أخرى تحت إشراف ورقابة مؤسسات فوق وطنية، فسيصعب عليها شن حرب ضد بعضها البعض، ومن ثم فإن نزع فتيل الحرب بين فرنسا وألمانيا هو الضمانة لتحقيق السلام في أوروبا، واستعادة أوروبا لدورها كلاعب عالمي. فعمل مونيه على  تهيئة الظروف لتلبية مصالح كلا البلدين وايجاد نوع من التكامل بينهما عبر ايجاد سوق مشتركة موسعة تساهم في بناء الاقتصاد المدمر، بحيث تتجاوز مشاكل الدول الأوروبية الاهتمامات الوطنية لتصبح مسئوليات أوروبية مشتركة.

وفي ظل إيمان جان مونيه بأهمية العمل المؤسسي ودوره في استمرارية الأعمال، فقد طرح على وزير الخارجية الفرنسي شومان مشروع الجماعة الأوروبية للفحم والصلب كبداية لتحقيق التكامل. ففي تلك المرحلة كان الفحم والصلب يمثلان عماد الصناعات الحربية، ويتوافران في المناطق الحدودية بين فرنسا وألمانيا، ودمج مناجمهما في البلدين ضمن إدارة واحدة مع إزالة عوائق التبادل التجاري الخاص بهما سيكفل الاستفادة منهما بشكل أكبر، ويمنع توظيف إحدى الدولتين لهما في تسليح جيشها لخوض حرب جديدة. وبالإضافة إلى فرنسا وألمانيا تفاعلت مع المشروع إيطاليا التي كانت طرفا في الحربين العالميتين الأولى والثانية وتعرضت لدمار كبير فضلا عن بلجيكا وهولندا ولوكسمبورغ التي كانت ساحة للاقتتال بين ألمانيا والتحالف المناهض لها خلال الحرب العالمية الثانية.

وبحلول عام 1951 وافقت برلمانات فرنسا وألمانيا وإيطاليا فضلا عن دول (البينلوكس) التي تتكون من بلجيكا وهولندا ولوكسمبورج على إنشاء سوق مشتركة للفحم والصلب تديرها مؤسسات مشتركة فوق وطنية مستقلة عن الحكومات الوطنية المنشئة لها، وهي المجلس الأوروبي الذي يمثل الدول الستة الأعضاء، ومحكمة عدل تختص بالفصل في المنازعات بين الدول الأعضاء وبحث مدى قانونية قرارات الجماعة الأوروبية للفحم والصلب، فضلا عن مفوضية تختص بتمثيل مصالح الجماعة الوليدة وإزالة جميع العقبات أمام حرية حركة صناعة الحديد والصلب، وأخيرا جمعية استشارية تختارها المجالس التشريعية للدول الأعضاء حسب عدد سكان كل دولة (تطورت لاحقا لتصبح البرلمان الأوروبي) مع ترك الباب مفتوحا أمام باقي الدول الأوروبية التي تود الانضمام إلى الجماعة الأوروبية الناشئة.

في عام 1957 انتقل التكامل الأوروبي إلى مربع جديد مع مصادقة برلمانات الدول الستة على معاهدة روما لتأسيس المجموعة الاقتصادية الأوروبية (CEE) التي بمقتضاها تم توسيع السوق المشتركة لجماعة الفحم والصلب ليصبح اتحادا اقتصاديا يشمل سوقا مشتركا للسلع والخدمات والعمال بالتزامن مع تخفيض الرسوم الجمركية وإقامة اتحاد جمركي مما وفر فرصا جديدة للتوسع الاقتصادي أمام الدول الأعضاء.

هذا التطور كان بمثابة نقلة في العلاقات البينية الأوروبية التي اعتادت الاعتماد على توازن القوى بين الدول الكبرى فضلا عن هيمنة الدول القوية على الدول الضعيفة، لتصبح المسئولية جماعية تشترك فيها الدول الأعضاء برعاية مؤسسات فوق وطنية. وكان مونيه يأمل أن يتطور التكامل ليشمل القضايا السياسية والدفاعية، وهو ما لم يتحقق في حياته. ثم في سبعينات القرن العشرين تحقق اقتراح آخر لمونيه بتشكيل مجلس أوروبي يشمل رؤساء الدول والحكومات الأعضاء بالمجموعة الاقتصادية الأوروبية بحيث يجتمعوا عدة مرات في السنة لمناقشة المشاكل الأوروبية التي تعجز المؤسسات الأخرى عن معالجتها في ظل محدودية صلاحياتها، ولكي يعطوا دفعة لعملية التكامل.

النقد الموجه لدور مونيه

ترك دور مونيه الجوهري في تأسيس المراحل الأولى من عملية التكامل الأوروبية أثارا بارزة على تطور عملية التكامل الأوروبية. فمونيه لم يكن فيلسوفا أو عالما أو منظرا، ولم يشغل مونيه عبر تاريخه أي منصب عبر الانتخاب الشعبي. لكن في ظل لحظات تاريخية مواتية بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، وتطلع الدول الأوروبية لإعادة بناء ما دمرته الحرب، ومواجهة المد الشيوعي السوفيتي، نجح مونيه في توفير أدوات مناسبة وضمان الدعم الرسمي الكافي لتنفيذ تنظيرات ميتراني الخاصة بالتكامل دون أن تتبلور في ذهن الدبلوماسي الفرنسي نظرية متكاملة عن الشكل المنشود الذي ينبغي أن يصل إليه التكامل مستقبلا. وقد انعكس ذلك على نخبوية مشروع التكامل الأوروبي منذ تأسيسه حيث جرى تنفيذه عبر النخب الأوروبية دون العمل على ضمان توفير دعم شعبي له، وهو ما ساهم في وسم عملية التكامل بالعجز الديموقراطي في ظل نهوض مؤسسات الاتحاد غير المنتخبة بأغلب أنشطته فضلا عن ضعف شعور الشعوب الأوروبية بأن مشروع الاتحاد الأوروبي يمثل هويتها، وهو ما انعكس على تصويت العديد منها في أكثر من استفتاء على رفض خطوات تكاملية جديدة مثل رفض الشعبين الهولندي والفرنسي للدستور الأوروبي في عام 2005 فضلا عن تصويت البريطانيين لصالح انسحاب بلادهم من الاتحاد الاوروبي في عام 2016.

وقد أثبتت تجربة التكامل الأوروبي أن نهج التكامل الاقتصادي غير كاف لتحقيق التكامل السياسي بشكل تلقائي إنما تحتاج لإرادة سياسية وشعبية وظروف مواتية في ظل تفوق الشعور بالهوية الوطنية على الهوية الأوروبية لدى شعوب دول الاتحاد الأوروبي فضلا عن اختلاف المصالح السياسية بين دول الاتحاد، وهو ما تجلى في الاختلاف حول سبل التعامل مع أزمة الهجرة غير الشرعية في عام 2015، فضلا عن الموقف من غزو العراق في عام 2003، والذي رفضته ألمانيا وفرنسا في حين شاركت به بريطانيا وإيطاليا وإسبانيا وغيرها من الدول الأوروبية.


التعليقات