ضعيف ومكذوب والضرب بغير رحمة

كثير ممن دخلوا في هوس التصحيح والتضعيف يكاد أن يصل بهم الحال أن الدين نفسه لا يصح أو الرسول نفسه لم يثبت وجوده.

ولذلك فهم يضعفون أو يكذبون كل ما ورد قبل عصر الرواية -ان جاز التعبير- وهو فترة ما قبل البعثة وأغلب فترة الاستضعاف المكي خاصة.

وفي هذا السياق قبلوا روايات تاريخية وردوا أخرى دونما حجة ولا تكئة صحيحة إلا الهوى يذهب بهم مذاهبهم..

ثم اطردوا أصولهم ومضوا حتى حكموا الصنعة الحديثية بعد ذلك في حوادث التاريخ أيضاً بينا كان علم الحديث في أصله مختصاً بحديث رسول الله وإنما اشتمل روايات الصحابة تبعاً!!

فعمموه بصورة انتقائية على حوادث التاريخ دون تحقيق صحيح أو تتبع تاريخي توثيقي هو أليق بالتأريخ إن تحدثوا فيه، فجعلوا أية حادثة تاريخية لا تعجبهم لا تصح ولم تثبت، بينما لم يسعى الأولون رضي الله عنهم في تصحيحها متناً ولا مستنداً أصلاً ولا ادعوا ذلك فانى لها الثبوت من هذا القبيل؟! هذا وليس ذلك من عمل علم الحديث في أصله كما أسلفنا!!

وفي هذا السياق قبلوا روايات تاريخية وردوا أخرى دونما حجة ولا تكئة صحيحة إلا الهوى يذهب بهم مذاهبهم، فتوبة الحجاج وندمه عند موته وتضرعه فهي تروى ليل نهار، ويكأنهم قبلوها منه، أو كانوا هم محل قبول التوبة، أو يبررون بها لكل فاجر مجرم ظالم سفاك لدماء المسلمين أو غاصب لولايتهم!!

وخالد بن عبد الله القسري المجرم الحقود هو عند بعضهم “أشرف من أن يكذب” حتى قبل بعض المحدثين روايته رغم أنه لم يرو إلا روايتين أو ثلاثة فليس من أهل ذلك، وهو قاتل بقية الصحابة وخيرة التابعين، بل يجعلون قتله الجعد بن درهم وذبحه أضحية في صبيحة يوم عيد؛ يجعلونه دليلاً في قتل المبتدعة وينقلونه في كتب الاعتقاد في محل الاحتفاء!! هكذا دون قضاء أو محاكمة أو ترجيح لعلماء العصر!! ونسوا أن الفاجر الأثيم هو من اعتقل أئمة الدين ثم أرسلهم ليذبحوا ذبح الخراف تماماً كذبح الجعد بن درهم !!

وتنبؤ بل تأله المختار الثقفي فهي تروى في البداية والنهاية، هذا وهو ابن أبي عبيد الله الثقفي رضي الله عنه، وربيب سيدي علي امير المؤمنين، وأخو زوجة سيدي عبد الله بن عمر، وزوج ابنتي سمرة بن جندب والنعمان بن البشير، ومناقب أخرى كثيرة!!

هؤلاء المطعونون في قلوبهم من أي تحكيم للعقل وآلات الشرع؛ هم حمقى عباد الرجال فدعك منهم ودعهم عنك، شراذم مالها في الناعقين نداء

بينما حادثة التحكيم التي لا ينازع عاقل في وقوعها فهي لا تصح، علماً أن أغلب تلكم الحوادث لها روايات أخرى غير مباشرة “تصح” وتثبتها وتؤكد حدوثها.

فعل ذلك منهم فئام قديماً وحديثاً إرضاءً لحاكم أو ميلاً لهوى أو خوفاً من ظالم أو مضادة ومحاجة لفرق أخرى من هذه الأمة وإن كنا نعدهم مبتدعةً لكن من قال أن هذا منهج محاجة القوم ومحادتهم!!

وليس الأمر هو إساءة الظن بالسابقين ودع عنك جاهل أخرق لا يكاد يفرق بين النقد أو النقاش أو حتى الرفض أو حتى النقض لبعض مقالات العلماء السابقين أو خياراتهم؛ فلا يفرق بينه وبين ما يسمونه “الطعن” في أولئك الأخيار السابقين، هؤلاء المطعونون في قلوبهم من أي تحكيم للعقل وآلات الشرع؛ هم حمقى عباد الرجال فدعك منهم ودعهم عنك، شراذم مالها في الناعقين نداء، ولا ينفع العقل إعجاب العقول به ما لم يحقق استحقاق المعقولية ويرسي منطقيات العقلاء.

أنا أتحدث عن منهج ضال وخطير وأديان الناس في هذه الأزمان وخاصة في وقت تسلط أعداء الدين على رقاب المسلمين؛ قد لا تنتظر إلا شعره كهذه تخبرهم أن كل ما اعتقدوه وتغنوا به هو باختصار “مكذوب لا يصح” ويهدرون في ذلك رواية الأمة لها واعتبار الامة بها حتى وصلتنا!!

ذلك إذن شيء خطير هو الجدير بالوصف أنه “لا يصح” بالفعل.

ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم في هذا العبث الذي يكاد أن يذهب بالدين نفسه من نفوس الناس، فلقد ابتلينا بناس تلبسوا أثواب الحديث وتسربلوا سرابيها، وأمسكوا بأيديهم سلاح التصحيح والتضعيف ماضياً، ثم جعلوا كل أصولنا وتاريخنا بجرة قلم “ضعيف او مكذوب لا يصح”.

وحسبي الله في أولئك الطيبين الذين تحسبونهم على خير.


التعليقات