وقفات مع الإلحاد والملاحدة – وهم الأخلاق (1)

لدي قناعة راسخة أن الإنسان الملحد هو الإنسان الوحيد هو الذي يملك أخلاق مبنية على أسس صحيحة فهو يفعل الخير لأنه شيئ رائع وجميل وليس لطمع وخوف وهذا ما انتج مجتمعات متضامنة متخلقة وراقية

 

المقولة المرفقة بالمنشور منتشرة بين الملحدين بصيغ عديدة تحمل نفس المعنى..

هذا الكلام باطل.. ليس لأننا ننكر قيمة الفعل الأخلاقي المجرد، أي الذي يقوم به الإنسان دون مقابل.. ولكن لأن هذا النوع من الأفعال يدعمه الدين ويحث عليه، فلا يصح أن يقارَن أو يفاضَل به الدين لأن الدين يتضمن معناه..

لكن الدين يتميز بأمر آخر.. وهو ضبط الفعل الأخلاقي بأمرين آخرين،

أولهما: المعايير المفارقة للإنسان (الأحكام الشرعية)..

الثاني: الدوافع الحسية النفعية المحفزة له (الجزاء الأخروي).

* نتحدث عن العنصر الأول .. وهو ضرورة وجود أحكام ومعايير مفارقة للإنسان لضبط سلوكه.

الأخلاق المجردة تعني أن يتعامل الإنسان مع الآخر من منطلق تعامله مع نفسه.. وهذا مضمون كلام (ريتشارد دوكنز) في محاولته لصياغة نسق أخلاقي لا يتعارض مع الإلحاد.. وهو كلام صحيح بلا شك.. وكان هو مضمون كلام النبي صلى الله عليه وسلم لمن طلب منه استثنائه من تجريم الزنا، فقال له النبي: : ( أَتُحبُّه لِأُمِّكَ ؟ قال : لا واللهِ جعلني اللهُ فداءَك قال : ولا الناسُ يُحبونَه لأُمهاتِهم قال : أفتُحبُّه لابنتِك قال : لا واللهِ يا رسولَ اللهِ جعلني اللهُ فداءَك قال : ولا الناسُ يُحبونَه لبناتِهم قال : أفتُحبُّه لأُختِك قال : لا واللهِ جعلني اللهُ فداءَك قال : ولا الناسُ يُحبونَه لأَخَواتِهم قال : أَفتُحبُّه لعمَّتِك قال : لا واللهِ جعلني اللهُ فداءَكَ قال : ولا النَّاسُ يُحبُّونَه لعمَّاتِهم قال : أفتُحبُّه لخالتِك قال : لا واللهِ جعلني اللهُ فداءَكَ قال : ولا النَّاسُ يحبونَه لخالاتِهم).

الحقيقة أن الإنسان الملحد الملحد يفاخر بأنه هو الإنسان الأخلاقي بمعنى الكلمة لأنه يقوم بأفعاله النبيلة ولا ينتظر منها نفعا أخرويا.وحين تسأله: كيف تؤسس لنَسَقِِك الأخلاقي؟ يقول لك: (الأمر سهل: المجتع بطبيعته يفرز قيمه الأخلاقية بما يحقق له أكبر منفعة ممكنة)!.

لكن هذا الشكل من التفكير غير كافٍ لضبط سلوك الإنسان، لأنه يعتمد على نقاء صورة الإنٍسان أمام نفسه وسلامة فطرته، لكن هناك حالات أخرى تمسخ فيها الفطرة، أو تعجز الفطرة السليمة عن التماس الصواب، فلو افترضنا أن هذا الرجل الذي استأّن النبي في الزنا كان إنسانا غربيا مسخته الحضارة، وسأله النبي نفس السؤال: (أتحبه لأمك؟ .. أفتحبه لابنتك.. افتحبه لأختك؟ ) فالجواب سيكون مشوها نتيجة تشوه صورة الإنسان .. وقد يكون جوابه: (ولم لا يا رسول الله؟.. طالما أنها راضية).

هنا يتدخل الدين ليحمي الإنسان من انجراره إلى رؤية ذاته كما يشاء وبطريقة غير ملائمة.. فتنحرف بذلك معاييره الأخلاقية.. فيحسن هنا وجود معيار خارجي لا يتعلق بمزاج الإنسان.. وهو معيار الأحكام الشرعية.. وحينئذ يكون رد رسول الله على هذا الإنٍسان المشوه: (.. إن كنت ترضاه فالله لا يرضاه).

* أما العنصر الآخر الضابط لحياة الإنسان في التصور الديني، فهو الدافع الحسي.. أي الثواب والعقاب.. الجنة والنار..

الحقيقة أن الإنسان الملحد الملحد يفاخر بأنه هو الإنسان الأخلاقي بمعنى الكلمة لأنه يقوم بأفعاله النبيلة ولا ينتظر منها نفعا أخرويا..

وحين تسأله: كيف تؤسس لنَسَقِِك الأخلاقي؟ يقول لك: (الأمر سهل: المجتع بطبيعته يفرز قيمه الأخلاقية بما يحقق له أكبر منفعة ممكنة)!.

أليست هذه منفعة وتلك منفعة؟ كيف تسلب المنفعة الأخروية قيمة الفعل الأخلاقي عند الملحد في حين أن المنفعة الاجتماعية لا تسلبه قيمته الأخلاقية.

بل إن المنفعة الأخروية يخاطب الله بها وعي الفرد.. في حين أن المنفعة الاجتماعية يزرعها المجتمع في اللاوعي عند أفراده دون احترام لإرادتهم الحرة.. فأي المنفعتين أرقى من الناحية الأخلاقية؟ وأيهما أجدر بأن لا تتعارض مع قيمة الأخلاق؟

نحن لا ننكر قيمة الوازع الأخلاقي الذي يفرضه المجتمع على ضمير الفرد حتى لو لم يكن متدينا.. لكننا ننكر مفاخرة الملحدين بهذا الوازع بدعوى التجرد من النفعية.. لأنه في الأساس خاضع للمنفعة.. وعلى أي حال.. فهو متضمن في القيم الدينية أيضا.


التعليقات